الأربعاء 8 سبتمبر 2010
|
|
|
لماذا لا ننقد ذواتنا
01-31-2010 08:03 AM
لعل من أبرز جوانب النقد بكافة أشكاله وفروعه ما يسمى بالنقد الذاتي، أو ما يطلق عليه في المجال الشرعي بمحاسبة النفس، أي تمحيص النفس ومراجعتها والوقوف على مواطن القوة لتدعيمها، ومواطن الضعف لمعالجتها، أو بمعنى آخر، تحليل جميع جوانب الذات للتعرف على محاسنها وعيوبها، وبيان جوانب الجودة والرداءة فيها.
ونقد الذات لا يقتصر على نقد الشخص لنفسه، بل يتعدى ذلك إلى نقد الجماعة لنفسها، ونقد المؤسسات بكافة تخصصاتها ومجالات لنفسها، كما يدخل في باب النقد الذاتي نقد الدول والحكومات لمواقفها وسياساتها وخططها، وأساليب تعاملها الداخلية والخارجية.
في كل أمور حياتنا اليومية غالبا ما نتعرض إلى مواجهة مع الآخرين، وقد نقوم نحن بين فترة وأخرى بنقد الآخر وتحديد مواقع الخطأ الكامنة في شخصيته, ولكن هل فكر احد منا في الوقوف على ذاته للتعرف على مواطن الخلل والعيب، وبالتالي محاولة إصلاح ذلك الخلل ومعالجته؟. وهل فكر أحد منا في المراجعة الدائمة لذاته وتحسينها بمقدار اهتمامه بشكله الظاهري، وتأمله اليومي في المرآة للظهور أمام الناس بأحسن صورة؟ اغلبنا للأسف الشديد يتحاشى هذا, خوفاً من فضح نفسه بنفسه، وخوفاً من الوقوف على الحقيقة المرة لذاته. وفي ذلك بلا شك خداع للنفس, وتبرير غير منطقي لضعفها، بل ذلك يعني هروباً من الواقع والاستمرار على الخطأ، حتى وأن كان في ذلك الخطأ فشلنا أمام الجميع.
\"النقد الذاتي ثقافة مهمة للفرد والمجتمع على حد سواء، فمن دونها يختل ميزان العمل، ويصاب الإنسان بداء الظن بالكمال، وعدم المراجعة لما فعل، وعدم الاستفادة من أخطاء الماضي، بل النظر للنفس نظرة أكبر مما تستحق، أو النظر للعمل نظرة تهويل أو تهوين، مما يصيب العمل بخلل خطير، وآفة تودي بجهوده وثمرته إلى الهلاك والضياع، والنقد الذاتي ثقافة مهمة يجب أن تغرس في مجتمعاتنا، وفي مدارسنا، ومؤسساتنا الدعوية والعملية\" .
\"النقد هو شرط النهوض الحضاري، وهو الآلة الفاعلة لتنقية الطريق أمام حركة المجتمعات والشعوب\" و\" فكرة النقد الذاتي فكرة منهجية منطقية تمارسها الأمم المتحضرة باستمرار\" ونحن بحاجة إلى المزيد من نقد الذات. فالكمال لله وحده. والبشر يخطئون أفرادا وجماعات، قياديين ومواطنين. وأسباب أخطائهم كثيرة، من أهمها:الفكر والعاطفة والمصلحة والجهل والإدراك غير الصحيح والتقدير الخاطئ. والأسوأ من ارتكاب الخطأ هو الإمعان فيه والإصرار عليه. ولهذا فإن هناك أهمية خاصة لعملية نقد الذات. وإذا كان لنقد الذات بعد حضاري كبير على المستوى الفردي فان له بعدا سياسيا وتنمويا مهما على المستوى المجتمعي. فنقد الذات يساعد على التفاعل الصحيح مع قضايا التنمية كما يساعد على تحمل المسؤولية وعدم التنصل منها أو تحميلها للآخر. أن عملية نقد الذات هي مسألة ثقافية، ويعتقد البعض أن الثقافة العربية المعاصرة لا تشجع كثيرا على نقد الذات، وان المفكرين العرب الذين يحاولون طرح رؤية نقدية لبعض التيارات والمواقف والمفاهيم الموجودة في العالمين العربي والإسلامي، غالبا ما يصابون بالإحباط بسبب المعارضة القوية لفكرة نقد الذات، ولمواجهة العملية النقدية الذاتية العربية ابتكر بعض معارضيها مصطلح (جلد الذات) واتهموا أي صوت عربي يحاول نقد الذات العربية بأنه يقوم بجلد الذات. ولقد تم استخدام مصطلح جلد الذات من قبل البعض لوضع العراقيل أمام كل من يحاول نقد الذات، وهو الأمر الذي ساعد على تحميل مسؤولية مشاكلنا العربية والإسلامية للآخرين .
وللأسف أن \"من المناهج السائدة في حياتنا منهج \"تبرير الأخطاء\".. فدائما نسارع إلى تبرير أخطائنا، وبالتالي تضيع علينا فرصة الاستفادة والتعلم. بينما كان من المفترض بدلا من التبرير، أن نعترف بالخطأ وتحديد الأسباب التي أدت إلى الوقوع فيه بكل أمانة وصدق مع النفس حتى يمكن وضع علاج علمي للمشكلة وبالتالي نتعلم منها ولا نقع فيها مرة أخرى.. إن العقلية الغربية عقلية علمية لذلك فهم ينتقدون أنفسهم جيدا ويعرفون كيف يستفيدون من أخطائهم ومن تاريخهم، وكلما فسدت لهم سياسة أو ضعفت غيروها، وبالتالي فهم في تقدم مستمر .
ومما سبق تتضح أهمية النقد الذاتي باعتباره ظاهرة صحية في المؤسسات والمجتمعات المتحضرة، بل هو جزء أساسي من عملية التطوير والتقدم المستمـر.\" فالنقد الذاتي يعني استمرار الإصلاح وسد ثغرات الضعف والحفاظ على التوازن النفسي والروحي والجسدي عند الإنسان المسؤول، بحيث تشكل مسلكيته دعامة ورافعة للتطور الإيجابي وتسد في الوقت نفسه الطريق أمام نزعات التخريب\" .
* نقذ الذات.. مبدأ شرعي
قد يظن البعض أن مصطلح النقد الذاتي مصطلح دخيل على قاموسنا الإسلامي، وهو تصور غير صحيح، فالمصطلح موجود في تراثنا الإسلامي، بل موجود في أعمال المسلم في اليوم والليلة، ولكنه تحت مسمى آخر غير ما يسميه الغرب، فكثيرا ما نمارسه تحت مسمى \"محاسبة النفس\"، يقول الله تعالى: \" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ\" (الحشر:18)، ويقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: \" حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا\" وقال الحسن رضي الله عنه : \"المؤمن قوام على نفسه، يحاسبها\".
ومحاسبة النفس تعني: أن ينظر العبد في أعماله وأحواله وأقواله ليومه أو شهره أو سنته أو عمره، فما وجد من حسنة حمد الله عليها، وما وجد من سيئة أحدث لها ندما. وقد تكون المحاسبة قبل العمل، أي أن يقف المرء عند أو همه وإرادته، فلا يبادر بالعمل إلا إذا تبين رجحانه على تركه، وقد تكون محاسبة النفس بعد العمل، أي بعد القيام به . ويقول أحد أساتذة علم النفس: المحاسبة هي النظر والتثبت بالتمييز لما كره الله عز وجل مما أحب، ثم هي على وجهين: أحدهما في مستقبل الأعمال والأخر في مستدبرها. أما المحاسبة في مستقبل الأعمال فتعني النظر بالتثبت قبل الزلل، ليبصر الإنسان ما يضره وما ينفعه، فيترك ما يضره ويعمل بما ينفعه، والمحاسبة الثانية التي تكون في مستدبر الأعمال، فقد جاءت في كتاب الله عز وجل، حيث قال : \"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ\" (الحشر:18) . وهي تعني هنا محاسبة النفس على ما قدمت من أعمال وأقوال.
ولقد ضرب القرآن نماذج عديدة للنقد الذاتي، الذي ينبغي للمسلم أن يمارسه، ولعل من النماذج البارزة في هذا المجال، هو نموذج أصحاب الجنة، يقول تعالى: \"إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ \" (القلم:17) حيث قاموا بتصرف خاطئ، وأرادوا حرمان المساكين من حقهم الذي كتبه الله لهم، فعوقبوا بإهلاك الثمرة \" فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ \" (القلم:19)، إنهم أمام اكتشاف ما حدث، وتفسير ما حدث.. إنهم فعلوا في أول الأمر ما يفعله كل البشر في البحث عن كبش فداء في صورة خارجية، يلقون عليها أخطاءهم، ويعولون عليها.. تطمين خادع للنفس.. إنه لم يحصل شيء، كل ما حصل هو أننا ضللنا الطريق، وهذا ليس بستاننا \"فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ ، أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ ، وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ ،فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ\" (القلم:23- 26).
ولكن تبين بعد قليل أنها هي هي لم تتغير، إذن التفسير الآخر الذي يقوم على تنزيه النفس بشكل غير مباشر... إن الظلم وقع علينا وإننا مظلومون، بل نحن محرومون.
هنا تدخل الرجل المعتدل العاقل (أوسطهم) ليرشدهم إلى جوهر المشكلة \"قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ\" (القلم: 28)، إن المشكلة عندكم في أنفسكم وليست في الخارج، راجعوا أنفسكم، واكتشفوا الخطأ الذي حدث، قوموا بعملية نقد الذات. ويبدو أن القوم كان فيهم بقية من عقل،فاعترفوا بأنهم كانوا «الظالمين» وليسوا «المظلومين المحرومين».
فأقبلوا يقومون بعملية اللوم الجماعية للتنظيف الداخلي الجماعي، فكما أن عملية اللوم السابقة كانت فردية، فهي هنا جماعية \" فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ \" (القلم: 30) وهذا هو الموقف التحليلي الصحيح.. إن موقف الاعتراف هو بداية حل المشكلة \" إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ \" (القلم: 29)، \" قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ \" (القلم: 31)، فالمشكلة بدأت من نفوسنا، ولم تبدأ من العالم الخارجي، إنه موقف طاهر حين تبدأ عملية مراجعة النفس ونقدها ولومها ومحاسبتها وتقويمها .
ولعل من النماذج البارزة في سيرة السلف الصالح ومحاسبتهم المستمره لتقويم الذات، ما جاء في خطبة الخليفة الأول أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - حين تولى الخلافة حيث قال: \"إني قد ولُيت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم\" وفي قوله - رضي الله عنه - (أطيعوني ما أطعت الله فيكم) معيار عملي للنقد الذاتي الحقيقي.
ومن نماذج نقد الذات كذلك ما جاء في حديث الصحابي الجليل حنظلة الأسيدي رضي الله عنه ، حيث قال: لقيني أبو بكر وقال: \"كيف أنت يا حنظلة؟ قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله، ما تقول؟ قلت: نكون عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يذكِّرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين فإذا خرجنا من عنده عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرا، فقال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا. قال حنظلة: فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، قلت: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال: وما ذاك؟ قلت: يا رسول الله، نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافَسْنا الأزواج والأولاد والضيعات ونسينا كثيرا. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): \"والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة – وكررها ثلاثا\" رواه مسلم في صحيحة.
* النفس اللوامة
يقول تعالى: \"وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ\" ومن المعروف أن الله سبحانه وتعالى لا يقسم إلا على شيء عظيم، بل اقترن القسم بالنفس اللوامة بالقسم بيوم القيامة، \"لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ\" مما يدل على عظمة الأمرين.
\"والنفس اللوامة\" مصطلح\" مطابق لمصطلح \"نقد الذات\" في وقتنا الحاضر، والمقصود بالنفس اللوامة، هي النفس التي تكون في حالة دائمة من اللوم والعتاب والمراجعة.
فالنفس اللوامة نظام يحمي الإنسان من الاستمرار في الخطأ، واستيقاظ دائم للضمير يمنع الإنسان من ظلم نفسه ومجتمعه، وهي نقطة تحول من النفس الأمارة بالسوء، التي تدعو صاحبها باستمرار إلى الانحدار والانجراف نحو الهوى والرذيلة.
ومن مقتضيات المحاسبة الشرعية توبيخ النفس ومعاتبتها وذمها، لتقويمها وقودها لعباده ربها، ومنعها عن شهواتها ، وفطامها عن لذاتها، فقد خلقت النفس أمارة بالسوء ، فهذا النقد للنفس والمعاتبة في الخلوات هو المطلوب، ويزداد عز المؤمن، وتطمئن نفسه بزيادة المعاتبة لها، واستصغار عمله أمام الباري عز وجل، بل إن محاسبة النفس – وهي التمييز بين مالها وما عليها – هي الأساس الأول للتوبة .
والشرع الحكيم لم يقتصر على الدعوة إلى محاسبة النفس بل أكد على ذم مدح النفس، حيث يقول سبحانه وتعالى: \" فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى\" (النجم: 32)، ويقول \" أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً \"(النساء:49).
قال النووي -رحمه الله-: \" اعلم أن ذكر محاسن النفس ضربان: مذموم ومحبوب، فالمذموم أن يذكره للافتخار وإظهار الارتفاع والتميز على الأقران وشبه ذلك، والمحبوب: أن يكون فيه مصلحة دينية\".
* هل نحن بحاجة لنقد الذات؟
بالتأكيد، نحن بحاجة ملحة لنقد ذواتنا، ومحاسبة أنفسنا قبل أن يحاسبنا الغير، ولعل من أبرز ثمرات نقد الذات ومحاسبتها مايلي:
-في نقدنا لذاوتنا امتثالا لمطلب شرعي حثنا عليه ديننا الحنيف، ويعتبر من السبل المهمة للفوز والفلاح في الدنيا والآخرة. ومما لا شك فيه أن حرص الإنسان على رضا الله ، يدفعه لمراجعة دائمة لإعماله وأقواله ومحاسبة نفسه.
-نقد الذات من أهم الأسباب المعينة على إصلاح أنفسنا والارتقاء بها لمستوى الطموح والمأمول.
-النقد والتقويم الذاتي المستمر باب من أبواب التواضع، والإحساس بالقيمة الحقيقية للنفس.
-البحث عن العيوب بقصد معالجتها يغذي فينا نظرة التأمل في تصرفاتنا.
-عندما نقيم أنفسنا فإننا نقطع الطريق أما الغير لتوجيه النقد إلينا، وبذلك نحمي أنفسنا من النقد، والذي غالبا ما يكون ثقيلا على النفس مهما بلغ الشخص من رحابة صدر وسعة أفق .
-عندما يوجه الإنسان نفسه بنفسه، فإن ذلك يشكل دعما معنويا لذاته لا يعرف أثره إلا من عايش مثل هذه التجربة، فنقد الذات بقصد الإصلاح من شأنه رفع المعنويات وبث روح النجاح في أنفسنا وبالتالي مواصلة الطريق بثبات وفي تحدي أي مشاكل قد تواجهنا أو تعترض سبيلنا للوصول للنجاح المأمول .
-المجتمعات التي تؤصل النقد الذاتي تفلح؛ لأنها لا تكرر الأخطاء التي تقع فيها، سواء على مستوى الفرد أو على مستوى الجماعة .
-النقد الذاتي يُحمل الإنسان مسؤولية التغيير والتطوير، والمواجهة مع الشهوات والأهواء.
-النقد الذاتي يُشعرنا في أحايين كثيرة بأننا على خطأ وأن بعض توجهاتنا ومواقفنا بنيت على معطيات غير دقيقة، وبالتالي محاولة تصحيح تلك المواقف والاتجاهات بما يتوافق مع ما هو صحيح.
-مواجهة النفس بالخطأ يجعلنا نتخلى عن تعصبنا لآرائنا، والاقتناع بأن آراء الغير ربما تكون أفضل بكثير مما نعتقد.
-الحكومات والمؤسسات التي تراجع نفسها وتوجد مؤسسات رقابية داخل الدولة، للمراقبة والمراجعة والتدقيق، غالبا ما تكون أخطاءها قليلة، وبالتالي تتطور بشكل ملحوظ، كما أنها تحظى برضا داخلي وخارجي تجاه سياساتها وخططها وإجراءاتها.
-المراجعة الدائمة وتقييم أنشطتنا وأعمالنا سبيل مهم لتحقيق التجديد والتغيير للأفضل.
-الإنسان في غمرة الحياة ومشاغلها، وفي زحمة العمل ينسى نفسه، وربما انحرف عن مساره لتحقيق أهدافه وبالتالي فإن النقد الذاتي من شأنه تصحيح المسار الخاطئ.
* خطورة إهمال النقد الذاتي وعوامل غيابه
تختلف الحكومات والجماعات والمؤسسات والشعوب في درجة قبولها واهتمامها بمبدأ نقد الذات، \"إلا أن هذا المنحى المتحفظ من ممارسة النقد الذاتي يظل هو السائد والمسيطر، فأغلب الجماعات والتوجهات تنفق مئات أو ألوف الريالات والكثير من الطاقات لدعم أعمال إعلامية تدعم شخصياتها ورموزها ( أحياء وأموات) ، أو في معالجة قضايا تم التطرق لها مرارا وتم استعراضها في كتب كثيرة ولم يعد فيها جديد ، مع ملاحظة أن كل طرف وجماعة تعتبر رمزها الديني أو السياسي رائد التجديد وعنوان الإثراء الفكري وتبرر لنفسها حق عرضه على الناس والإطناب بذكر فضائله - وإن تم ذلك بصورة رتيبة ومملة-، بينما لا نجد بين هذا الدعم أي تخصيص لمجلات تعني بالنقد الذاتي أو تنقيح ذاكرة الجماعة ، بل يصح القول أن ما يحدث هو العكس تماما، فبمجرد نمو تيار نقدي تتم محاولة احتواءه أو ضربه وعزله عن الاجتماع القائم ، حتى أصبح دعاة التصحيح يمارسون دورهم بالكثير من التخوف والرهبة ، وهو ما حرم ويحرم مجتمعاتنا من فرصة نادرة من فرص التطور والتجدد الحضاري\" . ومما لا شك فيه أن ذلك مدعاة لاستمرار تراجعنا وعدم مقدرتنا على مواكبة التطور، بل التراجع إلى ذيل القائمة في الكثير من المجالات. لكن السؤال هنا لماذا هذا الغياب الواضح لثقافة نقد الذات في مجتمعاتنا، وما أسباب التخوف منها؟، لعنا فيما يلي نوجز بعض تلك العوامل والأسباب:
-جُبل الإنسان على الظهور أمام نفسه بالشكل المناسب، بل دائما ما يعزو أسباب فشله وتقصيره لعوامل خارجية، لا علاقة له بها.
-الكثير منا ينظر إلى أعماله وتصرفاته نظرة السمو والعلو، ولا يرغب فيما يعكر صفو هذه النظرة، وهو بهذا نسي أو تناسى أنه بشر يخطئ ويصيب.
- ومما يجعل النقد الذاتي يغيب ويضيع في مجتمعاتنا، مقولة ومبدأ: ليس في الإمكان أبدع مما كان، فقد استخرجنا أفضل ما عندنا، وليس هناك أفضل مما قدم أسلافنا، وما ترك الأول للآخر شيئا.. وهذا إضافة إلى خطأ نظرته، فهو للأسف يعني أننا نحجر على العقول أن تعمل، وعلى الأذهان أن تتفق لتبدع بأفكار جديدة .
-الكثير منا ينظر إلى النقد الذاتي كأحد علامات الضعف والوهن، رغم أنها تعد من أهم الأدوات الفعالة في تحصين أي اجتماع قائم من الأخطاء والأخطار المحدقة ، كما أنه الأداة الماضية في تعزيز نقاط القوة في الثقافة، وتنقيتها من نقاط الضعف .
-يعد الهروب من نقد الذات هروبا من المسؤولية.
-الكثير منا لا يفرق بين نقد الذات وجلدها، بمعنى أنه يعتبر نقد الذات ومراجعتها وتقييمها وبالتالي إصلاح أعوجاها، جلدا لها، أي جلد لنفسه، مع أن الفرق واضح بين المعنيين، فالنقد الذاتي شيء طبيعي ومطلوب لأننا نخطئ ونقصر وهو محاولة لاكتشاف طريق الإصلاح . أما جلد الذات، فيعني ممارسة النقد والتوبيخ مع اليأس من الصلاح والإصلاح. لذا فجلد الذات هو: المبالغة في الشعور بالذنب، ومعاقبة النفس، وأهانتها، وتهوين شأنها، حتى تقتنع بأنه ليس بإمكانها أن تتسلم زمام التغيير . وهذا منافي لمعنى النقد الذاتي.
* النقد الذاتي .. السري والعلني
ومن الأمور الشرعية التي يجب مراعاتها عند محاسبة النفس ونقدها ومعاتبتها لتقويمها أن يكون هذا النقد سرياً، أي أن يكون بين العبد ونفسه، بحيث يكون خالصاً لله، وبهدف الإصلاح فقط، وبحيث لا يسيء الناقد لنفسه أو يحقرها أمام الناس، فقد روى البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" لا يقولن أحدكم خبثت نفسي ولكن ليقل لقست نفسي\" ويقول الإمام ابن حجر في شرحه للحديث: \" إن المراد طلب الخير حتى بالفأل الحق ويضيف الخير إلى نفسه ولو بنسبة ما، ويدفع الشر عن نفسه ما أمكن، ويقطع الوصلة بينه وبين أهل الشر حتى في الألفاظ المشتركة ويلحق بهذا أن الضعيف إذا سئل عن حاله لا يقول: لست بطيب، بل يقول: ضعيف\" وهذا يدل على كراهية مثل تلك الأقوال أمام الناس وأنها ليست من التواضع وإن كان صاحبها صادقاً، لما في ذلك من أثر تربوي سيئ على النفس القائلة والنفس السامعة.. كمحاولة إظهار فضل النفس وتواضعها فالأمر أقبح وأسوأ وهو من الرياء المبطن والتكلف المذموم. يقول الحسن: \" ذم الرجل نفسه في العلانية، مدح لها في السر\" ويقول: \" من أظهر عيب نفسه فقد زكاها\" .
ورغم ما سبق قد يكون لإعلان نقد الذات إيجابيات ومصالح، من تلك الإيجابيات، مايلي:
-منع تسرب فكرة التقديس للأشخاص والأفكار التي طغت في أديان أخرى سبقت الإسلام، وانتشرت في بيئات لا يحكمها الإيمان بالله، فالتقديس للأشخاص نابع من نظرة زائدة عن الحد للشخص، وجعله فوق مستوى النقد، وفوق مستوى الأخذ والرد، يقول الإمام مالك رحمه الله: \"كل يؤخذ منه ويترك إلا صاحب هذا المقام، إشارة منه إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) .
-الاعتراف بالخطأ الشائع والمعروف والمشهور أمام الناس من شأنه إعلام الناس بأن صاحبه قد رجع وتاب من خطأه، وبالتالي لا يتابع عليه.
-الاعتراف بالخطأ، وخصوصا إذا كان من شخص معروف بمكانته، يشجع بقية الناس على الاعتراف بأخطائهم وبالتالي تسود ثقافة نقد الذات في المجتمع. \"فإذا كان العالم، أو الحاكم، أو الداعية عوَّد الناس أنه يعترف بالخطأ علانية وأمامهم فيقول: قلت كذا وهذا خطأ، وفعلت كذا وهذا خطأ، وقد رجعت عنه ؛ فإن الناس حينئذ يتعوَّدون على الاعتراف بأخطائهم والرجوع عنها، ومحاولة تصحيحها أولاً بأول\" .
-نقد الذات للشخص أو للجماعة أو للدولة أمام الجميع، له دور فاعل في قطع الطريق أما الأعداء والخصوم لتهويل الخطأ واستغلاله ضد صاحبه.
-نقد الذات أمام الناس يشعرهم بضعفهم وبكونهم بشر قد يخطئون ويصيبون.
* معايير وضوابط نقد الذات
أي عمل نقدي لابد أن يستند على معايير وضوابط، تحدد مدى نجاح العمل النقدي من فشله، وكذلك النقد الذاتي لابد له أن يعتمد على معايير وضوابط خاصة تحقق الهدف المنشود منه، ومن أبرز تلك المعايير مايلي:
-أن يكون النقد خالصا لوجه الله تعالى، بعيداً عن الرياء.
-أن يكون للنقد مصلحة راجحة ويكون له هدف واضح.
-لا بد من التفريق بين نقد الذات وجلدها. أي عدم المبالغة في النقد والتكلف فيه.
-أن لا يؤدي النقد الذاتي إلى تحقير النفس البشرية أو إذلالها، وهذا ينطبق على نقد الدول والجماعات لنفسها.
-أن لا يكون النقد الذاتي محاولة من التهرب من المسؤولية، أو نتيجة ضعف الثقة بالنفس.
-أن لا ينتقد أحد نفسه بهدف أن يُنكر عليه هذا النقد، وبالتالي جلب المديح له بطرق ملتوية.
-عدم الإعلان عن الأخطاء ونقد الذات إلا بوجود مصلحة من الإعلان عنها.
* إعلامي متخصص في الصحافة الإلكترونية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تليمه، عصام. ثقافة النقد الذاتي. http://www.amlalommah.net/aml-3665.html
شهاب، احمد. التهرب من مسؤولية النقد الذاتي. صحيفة الحوار المتمدن. العدد 817( 27-4- 2004م ).
زنجير، محمد. النقد الذاتي وأهميته للنهضة والحياة. http://www.nashiri.net/articles/intellect-and-philosophy/4300-2009-12-10-23-02-06.html
الرواف، عثمان. الخوف من جلد الذات يبعدنا عن النقد الذاتي. صحيفة الشرق الأوسط. العدد.8826 (27-1-2003م).
حوار مع د. عامر النجار أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة قناة السويس ونائب رئيس جمعية إحياء التراث العلمي. http://www.islamweb.net/media/index.php?page=article&lang=A&id=137822
ابونزار. صخر. النقد والنقد الذاتي. مكتب الشؤون الفكرية والدراسات. فلسطين. 1998م. ص 8.
الرماني. زيد . محاسبة النفس.. لماذا؟ وكيف؟. دار الحضارة للنشر والتوزيع. 1424هـ. ص 18.
الشرقاوي. أبو حاتم.. دراسة وتحقيق كتاب محاسبة النفس لأبي بكر عبدالله بن محمد ابن ابي الدنيا. مؤسسة الكتب الثقافية. 1408هـ. ص14-15.
تليمه، عصام. مرجع سابق.
الحسن، عبدالله يوسف. تقويم الذات. سلسلة رسائل العين. الرسالة السابعة. http://www.almarefa.net/showthread.php?p=51756
http://vb.dll3.com/7621.html
مرجع سابق. http://vb.dll3.com/7621.html
الرشيد. محمد أحمد. النقد الذاتي والتفكير الإيجابي. صحيفة الرياض. العدد 15128(24-11-2009).
شهاب، احمد. مرجع سابق.
تليمه، عصام. مرجع سابق.
شهاب، احمد. مرجع سابق.
الرشيد. محمد أحمد. مرجع سايق.
تليمه، عصام. مرجع سابق.
العودة، سلمان. لماذا نخاف النقد. ص 27.
|
خدمات المحتوى
|
عبدالله ناصر العتيبي
تقييم
|
|
|
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
 |
 |